علي محمد علي دخيل

143

الوجيز في تفسير الكتاب العزيز

معجزاته ، عن مجاهد وقتادة وأكثر المفسرين فَكَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنْكُمْ أي منعهم عن الفتك بكم وَاتَّقُوا اللَّهَ ظاهر المعنى وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ أي فليثق الْمُؤْمِنُونَ بنصر اللّه ، وليتوكلوا عليه ، فان اللّه تعالى كافيهم وناصرهم وَلَقَدْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثاقَ بَنِي إِسْرائِيلَ أي عهدهم المؤكد باليمين بإخلاص العبادة له ، والإيمان برسله وما يأتون به من الشرائع وَبَعَثْنا مِنْهُمُ اثْنَيْ عَشَرَ نَقِيباً معناه : أخذنا من كل سبط منهم ضمينا بما عقدنا عليهم من الميثاق في أمر دينهم وَقالَ اللَّهُ إِنِّي مَعَكُمْ خطاب لبني إسرائيل الذين أخذ منهم الميثاق ، أي قال اللّه لهم : إني معكم بالنصر والحفظ ، أنصركم على عدوي وعدوكم الذين أمرتكم بقتلهم ان قاتلتموهم ووفيتم بعهدي وميثاقي الذي أخذته عليكم ، ثم ابتدأ سبحانه فقال : لَئِنْ أَقَمْتُمُ الصَّلاةَ يا معشر بني إسرائيل وَآتَيْتُمُ الزَّكاةَ أي أعطيتموها وَآمَنْتُمْ بِرُسُلِي أي صدقتم بما أتاكم به رسلي من شرائع ديني وَعَزَّرْتُمُوهُمْ أي نصرتموهم وقيل : عظمتموهم ووقرتموهم وأطعتموهم وَأَقْرَضْتُمُ اللَّهَ قَرْضاً حَسَناً أي أنفقتم في سبيل اللّه وأعمال البر نفقة حسنة يجازيكم بها ، فكأنه قرض من هذا الوجه وقيل : معنى قوله حسنا : عفوا عن طيبة نفس ، وان لا يتبعه منّ ولا أذى لَأُكَفِّرَنَّ عَنْكُمْ سَيِّئاتِكُمْ أي لأغطين على ما مضى من إجرامكم بعفوي ، وإسقاطي عنكم وبال ذلك وَلَأُدْخِلَنَّكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ ظاهر المعنى فَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذلِكَ مِنْكُمْ أي بعد بعث النقباء ، وأخذ الميثاق فَقَدْ ضَلَّ سَواءَ السَّبِيلِ أي أخطأ قصد الطريق الواضح ، وزال عن منهاج الحق . 13 - ثم عطف سبحانه على ما تقدم فقال : فَبِما نَقْضِهِمْ مِيثاقَهُمْ لَعَنَّاهُمْ فيه تسلية للنبي ( ص ) يقول : لا تعجبن يا محمد من هؤلاء اليهود الذين هموا أن يبسطوا أيديهم إليك وإلى أصحابك ، وينكثوا العهد الذي بينك وبينهم ويغدروا بك ، فإن ذلك دأبهم ، وعادة اسلافهم الذين أخذت ميثاقهم على طاعتي في زمن موسى ، وبعثت منهم اثني عشر نقيبا ، فنقضوا ميثاقي وعهدي ، فلعنتهم بنقضهم ذلك العهد والميثاق وَجَعَلْنا قُلُوبَهُمْ قاسِيَةً أي يابسة غليظة تنبو عن قبول الحق ولا تلين ومعناه : سلبناهم التوفيق واللطف الذي تنشرح به صدورهم حتى ران على قلوبهم ما كانوا يكسبون ، وهذا كما يقول الإنسان لغيره : أفسدت سيفك ، إذا ترك تعاهده حتى صدئ ، وجعلت أظافيرك سلاحك إذا لم يقصها يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَواضِعِهِ أي يفسرونه على غير ما أنزل ، ويغيرون صفة النبي ( ص ) وَنَسُوا حَظًّا مِمَّا ذُكِّرُوا بِهِ وتركوا نصيبا مما وعظوا به ، ومما أمروا به في كتابهم من اتباع النبي فصار كالمنسي عندهم ، ولو آمنوا به واتبعوه لكان ذلك لهم حظا وَلا تَزالُ تَطَّلِعُ عَلى خائِنَةٍ مِنْهُمْ يعني على كذب وزور ، ونقض عهد ، ومظاهرة للمشركين على رسول اللّه ( ص ) وغير ذلك مما كان يظهر من اليهود من أنواع الخيانات إِلَّا قَلِيلًا مِنْهُمْ لم يخونوا فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاصْفَحْ ما داموا على عهدك ولم يخونوك إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ ظاهر المعنى . 14 - وَمِنَ الَّذِينَ قالُوا إِنَّا نَصارى أَخَذْنا مِيثاقَهُمْ أي ومن الذين ذكروا انهم نصارى أخذنا الميثاق بالتوحيد والإقرار بنبوة المسيح وجميع أنبياء اللّه ، وانهم كانوا عبيد اللّه ، فنقضوا هذا الميثاق واعرضوا عنه ، وهذا إشارة إلى انهم ابتدعوا النصرانية التي هم عليها اليوم وتسموا بها فَنَسُوا حَظًّا مِمَّا ذُكِّرُوا بِهِ مرّ بيانه فَأَغْرَيْنا بَيْنَهُمُ الْعَداوَةَ وَالْبَغْضاءَ المراد بين أصناف النصارى خاصة ، من اليعقوبية والملكائية والنسطورية من الخلاف والعداوة وإنما أغرى بينهم العداوة